عبد الملك الثعالبي النيسابوري
5
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
وقوة النقد ، فسار الكتاب مسير الرياح ، وطار في البلاد بغير جناح ، وقال فيه بعض العصريين من أهل نيسابور [ من المتقارب ] : أيا قاضيا قد دنت كتبه * وإن أصبحت داره شاحطه « 1 » كتاب الوساطة في حسنه * لعقد معاليك كالواسطه * * * فصل من هذا الكتاب المذكور « 2 » ومتى سمعتني أختار للمحدث هذا الاختيار ، وأبعثه على الطبع ، وأحسن له في التسهل ، فلا تظنن أني أريد بالسهل السمح الضعيف الركيك ، ولا باللطيف الرشيق الخنث المؤنث ، بل أريد النمط الأوسط ، وما ارتفع عن الساقط السوقي وانحط على البدوي الوحشي ، وما جاوز سفسفة نصر ونظرائه ، ولم يبلغ تعجرف هميان بن قحافة وأضرابه ، نعم ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحدا ، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه ، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني ، فلا يكون غزلك كافتخارك ، ولا مديحك كوعيدك ، ولا هجاؤك كاستبطائك ، ولا هزلك بمنزلة جدك ، ولا تعريضك مثل تصريحك ، بل ترتب كلّا مرتبته وتوفيه حقه ، فتلطف إذا تغزلت ، وتفخم إذا افتخرت ، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه ، فإن المدح بالشجاعة والبأس ، يتميز عن المديح باللباقة والظرف ، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام ، ولكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به ، وطريق لا يشاركه الآخر فيه ، وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة ، ولا بمختص بالنظم دون النثر ،
--> ( 1 ) شاحطة : بعيدة . ( 2 ) انظر ( ص 23 من كتاب الوساطة للجرجاني طبع دار احياء الكتب العربية ) ففيه بعض الاختلاف اليسير .